سيد قطب

2141

في ظلال القرآن

قال ربك للملائكة » . . فكيف شمل إبليس ؟ فإن صدور الأمر إلى إبليس يدل عليه ما بعده ، وقد ذكر صريحا في سورة الأعراف : « قال : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ؟ » . . وأسلوب القرآن يكتفي بالدلالة اللاحقة في كثير من المواضع . فقول اللّه تعالى له : « ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ؟ » . . قاطع في أن الأمر قد صدر له . وليس من الضروري أن يكون هذا الأمر هو أمره للملائكة . فقد يصدر إليه معهم لاجتماعه بهم في ملابسة ما . وقد يصدر إليه منفردا ولا يذكر تهوينا لشأنه وإظهارا للملائكة في الموقف . ولكن المقطوع به من النصوص ومن دلالة تصرفه أنه ليس من الملائكة . وهذا ما نختاره . وعلى أية حال فنحن نتعامل هنا مع مسلمات غيبية لا نملك تصور ماهياتها ولا كيفياتها في غير حدود النصوص . لأن العقل كما أسلفنا لا سبيل له في هذا المجال بحال من الأحوال . « قالَ : يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ؟ قالَ : لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ » . . وصرحت طبيعة الغرور والاستكبار والعصيان في ذلك المخلوق من نار السموم . وذكر إبليس الصلصال والحمأ ، ولم يذكر النفخة العلوية التي تلابس هذا الطين . وتشامخ برأسه المغرور يقول : إنه ليس من شأنه في عظمته أن يسجد لبشر خلقه اللّه من صلصال من حمأ مسنون ! . وكان ما ينبغي أن يكون : « قالَ : فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ « 1 » وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ » . . جزاء العصيان والشرود . عندئذ تتبدى خليقة الحقد وخليقة الشر : « قالَ : رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » قال : فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم » . . لقد طلب النظرة إلى يوم البعث ، لا ليندم على خطيئته في حضرة الخالق العظيم ، ولا ليتوب إلى اللّه ويرجع ويكفر عن إثمه الجسيم . ولكن لينتقم من آدم وذريته جزاء ما لعنه اللّه وطرده . يربط لعنة اللّه له بآدم ، ولا يربطها بعصيانه للّه في تبجح نكير ! « قالَ : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » . . وبذلك حدد إبليس ساحة المعركة . إنها الأرض : « لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ » . . وحدد عدته فيها إنه التزيين . تزيين القبيح وتجميله ، والإغراء بزينته المصطنعة على ارتكابه . وهكذا لا يجترح الإنسان الشر إلا وعليه من الشيطان مسحة تزينه وتجمله ، وتظهره في غير حقيقته وردائه . فليفطن الناس إلى عدة الشيطان ؛ وليحذروا كلما وجدوا في أمر تزيينا ، وكلما وجدوا من نفوسهم إليه اشتهاء . ليحذروا فقد يكون الشيطان هناك . إلا أن يتصلوا باللّه ويعبدوه حق عبادته ، فليس للشيطان - بشرطه هو - على عباد اللّه المخلصين من سبيل : « وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » . .

--> ( 1 ) رجيم : أي طريد مرجوم .